أحمد بن يحيى العمري
150
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
جميع أقطارها ، والثلوج من جميع نواحيها ، وأما الدواب ففيها من النتاج ما فيه كفايتهم ، ولهم من نتاج الغنم الكثير ، والسائمة المفرطة ، وكذلك الملبوس فإن لهم من الصوف والقز [ 1 ] وطرائف البز [ 2 ] ، وببلادهم من المعادن وخصوصا الزئبق الذي لا يقاربه في الغزارة والكثرة معدن ، وأمّا فواكههم فإنك إذا توطنت [ 3 ] السغد وأسروشنه [ 4 ] وفرغانة والشاش ، رأيت في فواكههم ما يزيد على سائر الآفاق ، حتى ترعاها دوابهم ، ويجلب إليها من محاسن الأشياء ، وطرف البلاد ما يتنافس الملوك فيه . وأما سماحتهم فإن الناس في ما وراء النهر كأنهم في دار واحدة ، ما ينزل أحد بأحد إلا كأنه رجل دخل دار نفسه ، لا يجد المضيف من طارق يطرقه كراهية ، بل يستفرغ جهده في إقامة أوده ، من غير معرفة تقدمت ، ولا توقع لمكافأة بل اعتقاد السماحة بأموالهم ، وهم في كل امرئ [ 5 ] على قدره فيما ملكت يده ، وحسبك أنك لا ترى صاحب ضيعة يستقل بمئونته إلا كانت همته اقتناء قصر فسيح ، ومنزل للأضياف ، فتراه نهاره في إعداد ما يصلح لمن يطرقه ، وهو متشوق إلى وارد عليه ليكرمه ، فإذا حل بأهل ناحية طارق ، تنافسوا فيه ، وهم فيما بينهم يتبارون في مثل هذا الشأن ، حتى يجحف بأموالهم ، كما يتبارى سائر الناس في الجمع والمكاثرة والمال . قال : ولقد شهدت ( المخطوط ص 68 ) آثار منزل بالصغد [ 6 ] ، قد ضربت الأوتاد على باب داره بخيول الضيفان ، أن ما بها مكث لا يغلق ما يزيد على مائة